الارتفاع الصاروخي والمباغت لأسعار
الاسمنت الاسود عاد من جديد الى
الواجهة وهذا الارتفاع الذي جاء من
غير مقدمات سوف يشجع الكثيرين على
الاستهزاء والسخرية من كافة الاجراءات
والتدابير الحكومية التي لم تتمكن
وعلى مدار السنوات الاخيرة من العثور
على حلول جذرية قادرة على استئصال
الازمة والتخلص منها فواقع الحال يشير
الى ان السوق السوداء متخمة وبكميات
كبيرة وانما بأسعار تزيد بنسبة 40% عن
اسعارها الفعلية المعمول بها من جانب
مؤسسة عمران وهذه النسبة قد تزيد او
تنقص من محافظة الى اخرى ففي مدينة
دمشق وريفها وصل سعر الطن الواحد الى
عشرة آلاف ليرة وذلك بعد استقراره
لمدة زمنية طويلة على سعر ست الاف
ليرة للسكن.
الأسئلة التي كانت
تطلق على مدار السنوات الماضية تمحورت
غالبيتها على الشكل الآتي : هل يعود
مصدر الأزمة الى عدم تمكن معامل
الاسمنت في السوق المحلية من اشباع
حاجة السوق ام ان الازمة ومن الفها
الى يائها مفتعلة ويقف وراءها فئة من
اشباه التجار والسماسرة؟! باعتقادنا
ان مثل هذا السؤال بات ينتمي الى
الماضي واعادة انتاجه من جديد لن يضيف
جديدا ذلك ان بعض المعلومات والوقائع
وتجربة السنوات الماضية تشير الى حضور
السببين معا وبلغة ادق واكثر وضوحا
فإن التلاعب بأسعار الاسمنت الاسود
سيبقى على حاله مادام ان المؤسسة
العامة للاسمنت لا تمتلك القدرات
والإمكانات على تأمين حاجة السوق
المحلية فالأرقام الرسمية التي بين
أيدينا تشير الى ان الحاجة الفعلية
للسوق تصل في الوقت الحاضر الى نحو
6.5 ملايين طن سنويا وبعض التقديرات
الاخرى غير الرسمية تشكك بهذا الرقم
الاخير ولا تستبعد بأن تصل حاجة السوق
الى اكثر من 7.5 ملايين طن وذلك
كنتيجة مباشرة الى انتعاش سوق
العقارات وصدور تشريع الاستثمار
العقاري وحضور شركات عقارية محلية
وعربية للبدء بتنفيذ مشاريع عمرانية
عملاقة ومن الطبيعي الإشارة في هذا
السياق الى ان اجمالي الكميات المنتجة
في معامل المؤسسة لا تزيد عن 4.7
ملايين طن سنويا وذلك في حال تشغيل
المعامل بكامل طاقاتها القصوى وعدم
توقف بعضها عن الانتاج والسؤال
البديهي الذي سيطلق من جانب
المستهلكين ولكن ماذا عن الاجراءات
التي اقدمت عليها الحكومة وسمحت من
خلالها للقطاع الخاص باستيراد كميات
محددة لردم الهوة بين العرض والطلب
ومنع تنامي السوق السوداء.
انطلاقا من حقيقة
تفاقم ازمة الاسمنت كانت الحكومة قد
سمحت للقطاع الخاص خلال العام 2005
باستيراد بعض الكميات التي من شأنها
تغطية العجز غير أن بعض المعلومات
الرسمية كانت قد اشارت خلال الايام
الماضية ان بعض التجار من الذين سمح
لهم باستيراد كميات محددة كانوا خلال
الشهور الاخيرة قد احجموا عن توريد
الكميات المطلوبة في مخابر المؤسسة
العامة للاسمنت وفي حال الاتكاء على
هذه الرواية نجد ان مثل هذا الكلام قد
يلامس بعض الحقيقة وقد لا يلامسها على
الاطلاق وذلك لاكثر من سبب اولهما: من
غير المعقول ان يرفض التجار الانصياع
لرغبة المؤسسة القاضية بتحليل عينات
من الكميات المستوردة لانه ولمجرد
الاعلان عن هذا الرفض ودون حضور اية
مسوغات او مبررات فذلك سيعني كما لو
انهم يعترفون وبلغة اقرب الى العلانية
على ان الكميات المستوردة او التي
ستطولها التحاليل لا تحقق المواصفات
المطلوبة وبالتالي سوف يفتضح امر
هؤلاء التجار وسوف تضطر الجهات
الرسمية ليس فقط بطردهم من ميدان
الاستيراد وانما ايضا يمكن ان تتخذ
بحقهم بعض الاجراءات والتدابير
القانونية الاخرى.
طبعا تحليلنا هذا
يعود في جوهره الى الرواية الرسمية
لكن في حال الاجتهاد والاتكاء على
دروس السنوات الماضية وآليات انعاش
السوق السوداء فإنه من غير المستبعد
ان يكون هؤلاء التجار انفسهم قد
أحجموا عن استيراد الكميات المطلوبة
ليس بسبب رفضهم لتحليل عينات من
الكميات المستوردة وإنما نتيجة حسابات
اخرى تقوم على مكيدة او سيناريو يرمي
الى احداث خلل في معادلة العرض والطلب
بهدف الاستفادة من الفوارق السعرية
العملاقة والتي تمكنهم بين ليلة
وضحاها من مضاعفة ارباحهم وبأرقام
فلكية.
وفي حال الافتراض
بصحة الاجتهاد الذي أتينا على ذكره
فهذا لا يعني ابدا بان تلك الفئة من
التجار مسؤولة مباشرة عن هذا الاشتعال
المباغت لأسعار الاسمنت وانما
بالضرورة ثمة رزمة اخرى من الاسباب
التي بدأت تتسرب من هنا وهناك فعلى
سبيل المثال وليس الحصر فإن ثمة
خلافات قائمة بين مؤسسة عمران
والحرفيين على آليات بيع وشراء المادة
من منافذ المؤسسة الى جانب مسؤولية
اجراءات الروتين والبيروقراطية في
تأخر وصول كميات كبيرة من المنافذ
الحدودية ومنها كمية تقدر بنحو
75 الف طن كان
يفترض توريدها من جانب شركة (هولسيم)
اللبنانية قبل اكثر من شهرين فضلا عن
نشوب بعض الخلافات بين بعض التجار
وشركة الاسمنت الاردنية الى وقف توريد
كميات تصل الى نحو 150 الف طن.
وبمنأى عن الكثير
من الاسباب المعلومة والمجهولة التي
أدت الى ارتفاع حمى اسعار الاسمنت فإن
مؤسسة عمران وفي حال الاعتراف بحقيقة
الازمة والابتعاد عن لغة التبريرات
والذرائع لتبرئة ساحتها فهي مطالبة
بهذه الحالة بتدخل سريع للبحث عن حلول
اسعافية انطلاقا من كون المشكلة مرشحة
لمزيد من التفاقم وهي ما زالت في
بداياتها حسب بعض التقديرات واذا كانت
بعض هذه الحلول تستدعي السماح لمزيد
من تجار القطاع الخاص باستجرار
الكميات التي تحقق توازنا بين حاجة
السوق وبين الكميات المنتجة محليا فإن
الحلول الجذرية والتي لا تستوجب
المماطلة او التسويق تتمثل في قيام
المؤسسة او الحكومة في حث بعض الشركات
الخاصة التي منحت التراخيص للتعجيل في
تشييد وتنفيذ المعامل الموعودة خاصة
وان مثل هذه المعامل تتوفر لها المواد
الاولية وسوق العمل يغص بالكفاءات
الفنية وبطوابير العاطلين عن العمل
وليس هناك من اسباب للاستمرار بالتأمل
والتشاؤب.